أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
102
العقد الفريد
الجاهلية عظيما شأنه ، وفي الإسلام معروفا مكانه ؛ ولقد أعطي يوم الفتح ما لم يعط أحد من آبائك ، وإن منادي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نادى : من دخل المسجد فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ؛ وكانت داره حرما ، لا دارك ولا دار أبيك ؛ وأما هند فكانت امرأة من قريش في الجاهلية عظيمة الخطر ؛ وفي الإسلام كريمة الخبر ، وأما جدك الصّديق فبتصديق عبد مناف سمى صديقا لا بتصديق عبد العزّى ، وأما ما ذكرت من جدي المشدوخ ببدر ، فلعمري لقد دعا إلى البراز هو وأخوه وابنه فلو برزت إليه أنت وأبوك ما بارزوكم ولا رأوكم لهم أكفاء ، كما قد طلب ذلك غيركم فلم يقبلوهم ، حتى برز إليهم أكفاؤهم من بني أبيهم ، فقضى اللّه مناياهم بأيديهم فنحن قتلنا ونحن قتلنا . وما أنت وذاك ؟ وأما عمتك أم المؤمنين فبنا شرفت وسميت أمّ المؤمنين ، وخالتك عائشة مثل ذلك ، وأما صفية فهي أدنتك من الظل ، ولولا هي لكنت ضاحيا ؛ وأمّا ما ذكرت من عمك وخال أبيك سيد الشهداء ، فكذلك كانوا رحمهم اللّه ، وفخرهم وإرثهم لي دونك ، ولا فخر لك فيهم ولا إرث بينك وبينهم ؛ وأمّا قولك : أنا عبد اللّه وهو معاوية ، فقد علمت قريش أيّنا أجود في الأزم « 1 » ، وأحزم في القدم ، وأمنع للحرم ؛ لا واللّه ما أراك منتهيا حتى تروم من بني عبد مناف ما رام أبوك ، فقد طالبهم بالذّحول « 2 » وقدّم إليهم الخيول ، وخدعتم أمّ المؤمنين ولم تراقبوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذ مددتم على نسائكم السّجوف « 3 » وأبرزتم زوجته للحتوف ومقارعة السيوف ، فلما التقى الجمعان نكص أبوك هاربا فلم ينجه ذلك أن طحنه أبو الحسين بكلكله طحن الحصيد بأيدي العبيد ، وأمّا أنت فأفلّت بعد أن خمشتك براثينه ونالتك مخاليبه ، وأيم اللّه ليقوّمنّك بنو عبد مناف بثقافها ، أو لتصبحنّ منها صباح أبيك بوادي السّباع ، وما كان أبوك المرهوب جانبه ، ولكنه كما قال الشاعر : أكيلة سرحان فريسة ضيغم * فقضقضه بالكفّ منه وحطّما « 4 »
--> ( 1 ) الأزم : الشدائد . ( 2 ) الذحول : جمع ذحل ، وهو الثأر . ( 3 ) سجوف : جمع سجف ، وهو أحد السترين المقرونين . ( 4 ) أكيلة : فريسة . وقضقضه : كسره .